السيد كمال الحيدري
116
المعاد روية قرآنية
تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ( العنكبوت : 43 ) ؛ بمعنى أنّ الإنسان إذا أراد أن يقف على حقيقة المثل ويتعقّله ويتفهّم حقيقته لابدّ أن يكون عالماً ؛ لأنّه ما يعقلها إلّا العالمون . وفى الرواية عن ياسر الخادم قال : سمعت الرِّضا عليه السلام يقول : « إنّ أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن : يوم يولد ويخرج من بطن أمّه فيرى الدُّنيا ؛ ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها ، ويوم يُبعث فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدُّنيا ، وقد سلَّم الله عزّ وجلّ على يحيى عليه السلام في هذه الثلاثة المواطن وآمن روعته فقال : وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً ( مريم : 15 ) ، وقد سلَّم عيسى بن مريم عليهما السلام على نفسه في هذه المواطن فقال : وَالسَّلَامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ( مريم : 33 ) » . « 1 » ومحلّ الشاهد هو أنّه عندما تبدأ منازل الآخرة يبدأ الانتقال من نشأة إلى أخرى ، وبهذا تتّضح لنا حقيقة الموت ، وأنّه ليس من قبيل ولادة الإنسان وخروجه من رحم أُمّه إلى عالم الدُّنيا ، أو الانتقال من كوكب إلى آخر ، ومن مكان إلى مكان ، بل هو ولادة من سنخ آخر ومن حقيقة أخرى ، والعقل البشرى قاصر عن إدراكها وفهمها على حقيقتها إلا من خلال بيانات الوحي الإلهى . والأمثلة التي تُضرب على ذلك ينبغي أن نعبر منها إلى تلك الحقيقة لإدراكها . وبذلك يمكن القول إنّ ما نملكه من علوم ناقصة ومحدودة لن نستطيع من خلالها التعرّف على كُنه الآخرة وحقيقتها ، ومطلق عالم الغيب ، ولابدّ أن نكتفي بمجموعة من المعلومات والمعارف الكلّية التي نتوصّل إليها من خلال البراهين العقليّة ، وبالخصائص والصفات التي يبيّنها الوحي .
--> ( 1 ) عيون أخبار الرضا ، الصدوق : الحديث 11 ، ج 26 ص 257 .